الهدف من السلوك

قال أحدهم ان الهدف هو معرفة النفس بتدريج المراتب أي بالخروج من عالم المادة و الحسيات الي عالم المثال و منه الي عالم الشهود و الحقيقة، و يمكن ذلك عن طريق التفكر المنظم، حيث أن المبتدي يستعمل فكره أولا في الموت و عقباته الي أن يصير مستعدا للانتقال الي العالم الثاني و هو عالم البرزخ و المثال و هنا في هذه المرحلة يفكر في حقيقة نفسه، و يجمع كل تفكيره في أمر باطنه، و يجب أن يعلم بأن الهدف المنشود ليس بخارج منه، و هذا يحتاج الي تذكر و تفكر مستمر الي حد الحصول علي الملكة.

و عندئذ يدرك أنه كان يعيش في عالم الأوهام و الاعتبارات و منه ينتقل الي التفكر المستمر في محو الصور و الموهومات و ان غير الله كل ما كان فهو عدم لا أصل له في الوجود المطلق و بمزاولة مثل هذا التفكر يصل الي حد الملكة، فينكشف له حقيقة الأشياء و حقيقة نفسه، و ينتقل من العلمية الي العينية و عنده ينادي: ليس في الدار غيره ديار.

المطالب السلوكية(المطلب الثالث)ص20

الأسفار الأربعة

اعلم أن للسالک من العرفاء و الاولیاء أسفار أربعة:

أحدها: السفر من الخلق الی الحق

و ثانیها: السفر بالحق الی الحق

و ثالثها: یقابل الأول لأنه من الحق الی الخلق بالحق

و الرابع: یقابل الثانی من وجه لأنه بالحق فی الخلق

و قال الشیخ المحقق کمال الدین عبدالرزاق الکالشی قده:

السفر هو توجه القلب الی الحق تعالی، و الأسفار أربعة:

الأول: هو السیر الی الله من منازل النفس الی الوصول الی الأفق المبین و هو نهایة مقام القلب و مبدأ التجلیات الأسمائیة.

الثانی: هو السیر فی الله بالاتصال بصفاته و التحقق بأسمائه الی الأفق الأعلی و نهایة الحضرة الواحدیة.

الثالث: هو الترقی الی عین الجمع و الحضرة الأحدیة و هو مقام قاب قوسین ما بقیت الاثنینیة فاذا ارتفع فهو مقام أو أدنی و هو نهایة الولایة.

الرابع: السیر بالله عن الله للتکمیل و هو مقام البقاء بعد الفناء و الفرق بعدالجمع.

المطالب السلوكية(المطلب الثالث)ص19

الکمال

اذا وصل السالک الی الکمال فی الدنیا فهو المطلوب و ان مات قبل الوصول مات شهیدا مهاجر الی الله و یتکامل بعد الموت قال عز من قائل:

(و من یخرج من بیته مهاجرا الی الله و رسوله ثم یدرکه الموت فقد وقع اجره علی الله)

المطالب السلوکیه(المطلب الثالث)ص19

نيّة السلوك

الحظوظ النفسیة لها مدخل عظیم حتی فی المستحبات والسنن الشرعیة کصلاة اللیل و غیرها فمن الواجب اولا تنقیة النیة و الداعی الاصلی ثم البدء بالعمل، ولا یقتصر علی کون العمل عملا مستحبا و حسب و الافضل ان یکون بحد مشورة الاستاذ و الاخذ بدستوره و وامره للتخلص من خطر حظ النفس.

المطالب السلوكية(المطلب الثالث)ص18

أفضل من ملك الدنيا

قيل لسلمان: ما لك لاتقترح علي الله أن يجعلك أغني أهل المدينة؟

فقال: دعوت الله و سألته ما هو أجل و أنفع و أفضل من ملك الدنيا بأسرها.

سألته بهم صلي الله عليهم أن يهب لي لسانا ذاكر لحمده و ثنائه، و قلبا شاكرا لآلائه و بدنا علي الدواهي الداهية صابرا و هو عزوجل قد أجابني الي ملتمسي ذلك و هو أفضل من ملك الدنيا بحذافيرها، و مااشتمل عليه من خيراتها مئة ألف ألف مرة.

المطالب السلوکیة(المطلب الثالث)ص18

في مدح صاحب الزمان

سرى البرق من نجد فجدّد تذكاري
عهوداً بحزوى والعذيب وذي قار
وهيّج من أشواقنا كل كامن
وأجج في أحشائنا لاهب النار
ألا يا لُيَيْلات الغوير وحاجر
سقيت بهام من بني المزن مدرار
ويا جيرة بالمازمين خيامهم
عليكم سلام الله من نازح الدار
خليلي ما لي والزمان كأنما
يطالبـــــني في كل آن بأوتار
فأبعد أحبابي وأخلى مرابعي
وأبدلني من كل صـــــــــفو بأكدار

إلى أن يقول:

ءأضرع للبلوى وأغضي على القذى
وأرضى بما يرضى به كل مخوار
وأفرح من دهري بلذة ساعة
وأقنع من عيشي بقرص وأطمار
إذن لا ورى زندي ولا عز جانبي
ولا بزغت في قمة المجد أقماري
ولا بُلّ كفي بالسماح ولا سرت
بطيب أحاديثي الركاب وأخباري
ولا انتشرت في الخافقين فضائلي
ولا كان في المهدي رائق أشعاري
خليفة رب العالمين وظله
على ساكن الغبراء من كل ديّار
هو العروة الوثقى الذي مَن بذيله
تمسّك لا يخشى عظايم أوزار
إمام هدى لاذ الزمان بظله
وألقى إليه الدهر مقـــــــود خوار
ومقتدر لو كلف الصم نطقها
بأجذارها فاهت إليه بأجــــــــــذار
علوم الورى في جنب أبحر علمه
كغرفة كف أو كغمسة منقار
فلو زار أفلاطون أعتاب قدسه
ولم يشعه عنها سواطع أنوار
رأى حكمة قدسية لا يشوبها
شوائب أنظار وأدناس أفكار
بإشراقها كل العوالم أشرقت
لما لاح في الكونين من نورها الساري
إمام الورى طود النهى منبع الهدى
وصاحب سر الله في هذه الدار
به العالم السفلي يسمو ويعتلي
على العالم العلوي من دون إنكار
ومنه العقول العشر تبغي كمالها
وليس عليها في التعلم من عار
همام لو السبع الطباق تطابقت
على نقض ما يقضيه من حكمه الجاري
لنكس من أبراجها كل شامخ
وسكّن من أفلاكها كل دوار
ولا انتشرت منها الثوابت خيفة
وعاف السرى في سورها كل سيّار
أيا حجة الله الذي ليس جارياً
بغير الذي يرضاه سابق أقدار
ويا من مقاليد الزمان بكفه
وناهيك من مجد به خصّه الباري
أغث حوزة الإيمان واعمر ربوعه
فلم يبق فيها غير دارس آثـــــــار
وأنقذ كتاب الله من يد عصبة
عصوا وتمادوا في عتوٍّ وإضرار
يحيدون عن آياته لرواية
رواها أبو شعيون عن كعب أحبار
وفي الدين قد قاسوا وعاثوا وحبّطوا
بآرائهم تحبيط عشواء معشار
وأنعش قلوباً في انتظارك قرّحت
وأضجرها الأعداء أية إضجار
وخلص عباد الله من كل غاشم
وطهر بلاد الله من كل كفار
وعجّل فداك العالمون بأسرهم
وبادر على اسم الله من غير إنظار
تجد من جنود الله خير كتائب
وأكرم أعوان وأشرف أنصار
بهم من بني همدان أخلص فتية
يخوضون أغمار الوغى غير فكار
بكل شديد البأس عبل شمردل
إلى الحتف مقدام على الهول مصبار
تحاذره الأبطال في كل موقف
وترهبه الفرسان في كل مضمار
أيا صفوة الرحمن دونك مدحة
كدرّ عقود في ترايب أبكار
يهني ابن هاني إن أتى بنظيرها
ويعنو لها الطائي من بعد بشار
إليك البهائي الحقير يزفها
كغانية مياسة القد معطــــــــار
تغار إذا قيست لطافة نظمها
بنفحة أزهار ونسمة أسحـــار
إذا رُدِّدَت زادت قبولاً كأنها
أحاديث نجد لا تُملّ بتكــــــرار

من کتاب الکشکول للشیخ بهاءالدین العاملی

 

العرفان العملي

العرفان العملي نيتج للسالك غناء عن الناس في طبعه و قلبه و يري كل النعم منه سبحانه و ينصرف توجهه من خلقه الي خالق النعم، فينحصر حمده و ثنائه و شكره فيه جلّ جلاله و قولهم «من لم يشكر المخلوق لم يشكر الخالق» لا يغير في اعتقاده، بل يفسره علي المعني التوحيدي في الافعال و يتبرأ من رسومات العوام في ضيافاتهم سواء من صاحب البيت او من الضيوف حيث يراهم يتبادلون بكلمات كلها مملوؤة بالشرك و التوجه الي الاسباب بدلا عن مسببها.

المطالب السلوكية(المطلب الثالث)ص18

فی فائده کلمات المشایخ

سئل أبوالقاسم جنيد البغدادي عن فائدة كلمات المشايخ و أهل الحكمة و قصصهم؟!

فأجاب: تؤثر في قوة الروح، و الثبات و الاستقامة والاستمرار في جهاد النفس، و تجديد العهد و الميثاق في السعي و الطلب.

و قال بعضهم: انها تعين السالك قبل أن يحتظي بأستاذ ماهر لحفظه من الاخطار و الهواجس و الوساوس.

المطالب السلوکیه(المطلب الثالث)ص17

مطالعة کتب العرفان

ان استفادة السالك من مطالعة الكتب العرفانية المؤلفة علي المنهج الصحيح، أو الغير الصحيح و اخص من وصل الي درجة التمييز بين السقيم و الصحيح سيما عند فقدان الأستاذ الموجه أو بعده عنه مع غلبة الحال و تكدر القلب، لهي كثيرة.

منها تقوية القلب و تثبيت الفؤاد و تنوير الروح ليزداد صبرا و عزما. قال الله سبحانه:(و كلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فوادك)

و منها أن كلماتهم و بيان أحوالهم مما يزيد محبة السالك بالاولياء والصلحاء، و به يترقي في مراتب الباطن.

و قد قال بعضهم:«لا قرابة أقرب من المودة و لا بعد أبعد من العداوة» و قيل:«المودة احدي القرابتين»

و قال مولانا الامام الصادق(علیه السلام):

«مودة يوم صلة، و مودة شهر قرابة، و مودة سنة رحم ماسة من قطعها قطعه الله.

و منها أنها توجب  الاستمداد الروحي من باطن أنفاسهم و أقوالهم و أرواحهم و حكاياتهم، فتنحل العقد، و تتحقق التسلية الروحية مقابل ما يحصل من ابتلاء و شدائد في طريق السير و السلوك، فان المؤمن مرآة المؤمن،‌ قال الجنيد:«حكايات المشايخ جند من جنود الله تعالي للقلوب».

و ليحذر حذرا شديدا من العمل بما ورد في مثل هذه الكتب من الأذكار و الأوراد الا بعد مشورة أستاذه لأنها توجب تشويش الخاطر، و اضطراب الأحوال، كما أن نسخة الطبيب تؤخذ من يده لا من كتب الطب.

 المطالب السلوکیه(المطلب الثالث)ص17

التفاوت بین العرفان و التصوف

جماعة ممن يخطئون العرفان و العارفين يروجون داعية المذهب و الولاء لاهل البيت عليهم السلام بحجة ان اصحاب العرفان هم اهل التصوف الذين اكثرهم من ابناء الجماعة و السنة او من الدراويش اصحاب الخانقاه من الشيعة و من هذا المنطق و الاستدلال الواهي يردون كل من يتكلم في التوحيد و العرفان حتي و لو كان مثل السيد القاضي او السيد الحداد.

و نحن نقول في جوابهم: من المستحيل ان يصل انسان الي حقيقة التوحيد الكامل قبل ان تنكشف له حقيقة الولاية و انهما مدغمان لا ينفصلان و ان التوسل الباطني و النجوي القلبي مع المقربين عندالله محمد و آل محمد عليهم صلوات الله امر مسلم موجود و مستمر في سر مسترهم كما تقرأ في زيارة الجامعة الكبيرة: «من اراد الله بدأبكم و من وحده قبل عنكم، الي الله تدعون و الي سبيله ترشدون.»

و علي هذا الاساس اعتقد الكبار من اهل اعرفان بتشيع محي الدين و المولوي الرومي. اللهم قد بلغت.

المطالب السلوکیه(المطلب الثالث)ص16